إشكالية الحكم على منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية من عنوانه: هل يُشترط الاعتراف المسبق ليكون البحث علميًا؟
من أكثر الإشكاليات التي يواجهها أي طرح علمي جديد خاصة إذا جاء خارج الإطار الأكاديمي التقليدي أن يُحاكم من عنوانه قبل أن يُقرأ. فكثيرًا ما يُقابل منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية الذي أسسته الباحثة داليا رشوان بعبارات جاهزة من نوع: “هذا ليس بحثًا علميًا” أو “هذا غير معترف به”، وكأن الحكم قد صدر قبل الاطلاع وقبل الفهم بل وقبل حتى محاولة الاختبار. وهنا لا تكون المشكلة في المنهج نفسه بقدر ما تكون في معيار الحكم الذي يتم استخدامه، حيث يحدث خلط واضح بين “الاعتراف المؤسسي” و”الصحة العلمية”، وكأن الأول شرط لازم للثاني، بينما تاريخ العلم نفسه لا يؤيد هذا التصور.
في الممارسات الأكاديمية السائدة يُربط العلم غالبًا بالنشر في دوريات محكمة، أو بالقبول داخل المؤسسات الأكاديمية، أو بالتوافق مع ما هو قائم من نظريات. وهذه المعايير لها قيمتها التنظيمية بلا شك، لكنها لا تمثل في ذاتها دليلًا قاطعًا على صحة الفكرة أو خطئها، بل تعكس درجة قبولها داخل المجتمع العلمي في لحظة زمنية معينة. فالعلم بطبيعته ليس منظومة مغلقة، بل عملية تراكمية تتغير فيها المفاهيم مع ظهور تفسيرات أعمق أو أشمل. ومن ثم فإن عدم الاعتراف بمنهج ما لا يعني بالضرورة أنه غير علمي، بل قد يعني ببساطة أنه لم يُستوعب بعد داخل الإطار السائد.
ومن هنا يظهر الفارق الجوهري في طريقة تقييم منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، حيث لا يعتمد الحكم على مدى الاعتراف به، بل على قدرته التفسيرية والعملية. فواحدة من أهم الدلائل على صحة هذا المنهج أنه بمجرد تطبيقه على الشخصية، يحدث نوع من الانضباط السلس والواضح بعد فترات طويلة من المعاناة مع تفسيرات جزئية أو حلول غير مكتملة. هذا النوع من النتائج لا يمكن اعتباره مصادفة، خاصة حين يتكرر عبر حالات متعددة، لأننا هنا لا نتحدث عن فكرة نظرية، بل عن إطار يترتب عليه تغير فعلي في فهم الإنسان لنفسه وقدرته على إدارة سلوكه.
ولا يقف الأمر عند حدود التطبيق، بل يمتد إلى القدرة التفسيرية الشاملة. فبينما تتعامل الممارسات النفسية التقليدية مع الأعراض بشكل متفرق، يعيد هذا المنهج ربطها بالبنية العصبية للشخصية، فينتقل الفهم من حالة التفكك إلى حالة الاتساق. فبدل أن يُنظر إلى القلق أو الاندفاع أو التردد أو التناقضات السلوكية كظواهر منفصلة، تصبح جميعها تعبيرًا عن تركيبة عصبية واحدة لها منطقها الداخلي. وهذا النوع من التفسير لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يكشف آليتها.
ثم تأتي الخاصية الأهم لأي طرح علمي قوي، وهي القدرة على التنبؤ. فمن خلال فهم تركيب الشخصية في هذا المنهج، يصبح من الممكن توقع سلوكيات الآخرين بنسبة كبيرة قد تصل إلى 90% في كثير من الحالات، وهو ما يبدو أحيانًا مريبًا لمن يراه من الخارج، لأنه يتجاوز التفسير إلى الاستباق. وهذه القدرة التنبؤية ليست حدسًا، بل نتيجة مباشرة لفهم نمط المعالجة العصبية لكل شخصية.
أما فيما يتعلق بالاعتراض الشائع بأن هذا المنهج “غير مدعوم علميًا”، فهو في الحقيقة يحتاج إلى إعادة صياغة. فالمشكلة ليست في تعارض المنهج مع الأبحاث الحديثة، بل في أن هذه الأبحاث تعمل غالبًا على مستوى التفاصيل، بينما يقدم المنهج الإطار الكلي الذي يفسر هذه التفاصيل. فالأبحاث المعاصرة في مجالات المخ والأعصاب والوراثة والطب النفسي تكتشف روابط دقيقة، مثل ارتباط جينات معينة بأنماط سلوكية، أو ارتباط مناطق في الدماغ بوظائف محددة، لكنها تظل في كثير من الأحيان مجزأة. وهنا يأتي دور الإطار التفسيري الذي يجمع هذه الأجزاء في صورة واحدة.
ولهذا تم بالفعل تناول عدد من الأبحاث الحديثة وقراءتها من منظور منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، مثل المقال الذي يناقش تداخل الاضطرابات النفسية من منظور جيني، والمقال الذي يربط بين الطاقة الخلوية وما يُعرف بالدماغ المرهق وبين الشخصية الحدّية. هذه الأمثلة لا تُستخدم لإثبات المنهج من الخارج، بل لإظهار أن ما يصل إليه العلم الحديث في تفاصيله يتقاطع مع ما يقدمه المنهج في إطاره العام، وكأن الأبحاث تكتشف الأجزاء بينما يقدم المنهج الخريطة الكاملة.
ومن هنا يمكن فهم أن أحد أسباب الرفض المبدئي لأي طرح جديد لا يكون دائمًا ضعف الفكرة، بل قد يكون مرتبطًا بطبيعة الإنسان نفسه. فالعقل يميل إلى الحفاظ على الإطار الذي اعتاد عليه، لأن تغييره يتطلب إعادة النظر في كثير من المسلمات. كما أن أي منهج يعيد تفسير المفاهيم الأساسية قد يثير شعورًا بعدم الاستقرار، خاصة لدى المتخصصين الذين بنوا فهمهم على نماذج سابقة. ويضاف إلى ذلك الحكم السريع من العنوان، حيث يتم رفض الفكرة قبل الاطلاع عليها، وهو ما يحرمها من التقييم الحقيقي.
ومن المهم هنا التمييز بين أن يكون المنهج علميًا في ذاته، وبين أن يكون معترفًا به مؤسسيًا. فالاعتراف المؤسسي عادة ما يأتي في مرحلة لاحقة، بعد تراكم الأدلة وانتشار الفكرة وإعادة إنتاجها داخل المجتمع العلمي. لكنه لا يُنشئ الصحة العلمية، بل يعترف بها بعد أن تتضح. وهذا يعني أن الفكرة قد تكون صحيحة قبل أن يتم الاعتراف بها، وليس العكس.
وفي هذا السياق تأتي الخطوة القادمة في توثيق المنهج، من خلال إرفاق عدد من الأبحاث العلمية الحديثة في مجالات المخ والأعصاب والطب النفسي وعلم الوراثة، وهو ما سيساعد على ربط الإطار النظري بالمعطيات العلمية المعاصرة. لكن جوهر المسألة يظل أن هذه الأبحاث لا تُستخدم لإثبات المنهج من الصفر، بل لتوضيح أنه يعمل داخل نفس الاتجاه العلمي، ويقدم إطارًا قادرًا على استيعاب نتائجه.
وفي النهاية، فإن الحكم على أي منهج علمي لا ينبغي أن يُبنى على كونه “معترفًا به” أو لا، بل على قدرته على تفسير الظواهر، وإنتاج نتائج عملية، والتنبؤ بالسلوك، وربط المعطيات في إطار متماسك. فالعلم في جوهره ليس ختمًا يُمنح، بل قدرة على الفهم. والقيمة الحقيقية لأي طرح لا تكمن في مكان نشره، بل في قدرته على أن يفسر الإنسان بدقة وعمق، وأن يفتح أمامه طريقًا أوضح لفهم نفسه وما يدور حوله.









